"المونة" في المناطق اللبنانية تراث غذائي صحي:

"المونة" في المناطق اللبنانية تراث غذائي صحي:
لا كيمياء ولا هرمونات ولا معلّبات مبرّدة أو مستوردة

المستقبل - الخميس 6 تشرين الأول 2005

 

فصل المؤونة.. امتداد اجتماعي ـ تراثي لا تزال "تداعياته" لدى شريحة واسعة من العائلات اللبنانية، لا سيما في المناطق الجبلية وتلك البعيدة عن المدينة ونمط حياتها "الحديث".
فمع انتهاء فصل الصيف، تبدأ رحلة التحضير "لمونة الشتي": البرغل والكشك والزيت ورب البندورة وكبيس الزيتون والخيار والمربيات على أنواعها، وغيرها من حواضر وضرورات، كانت في الماضي القريب أكثر من ضرورية لعائلات لم تكن تعرف حينذاك السوبرماركت والأطعمة المعلّبة والمبرّدة والمستوردة من مختلف بقاع الأرض.

http://almustaqbal.com/issues/images/2061/C8-N3.jpg
الشوف
من الشوف، كتب عمار زين الدين:

ينصرف أبناء الشوف هذه الأيام مثل كل أبناء الريف، الى إعداد العدة لمواجهة الشتاء. ومن ذلك المؤونة، أهم مقوّمات الثبات على عادات القرية اللبنانية وتقاليدها. الكشك والقاورما والزيتون والزيت والمربيات على أنواعها وكذلك رب البندورة، تكاد تختصر المشهد البلدي هذه الأيام، لا سيما أن ورشة تحضير رب البندورة تتطلب "عونة" لا بد منها لإنجاز المطلوب.
ومن ينس "فحل المؤونة" ومن ينس "زوّادة الرب" للفلاح أو العامل، وحتى طالب العلم، ولكل منهم مع زوادته حكاية عشق.
العمل متواصل وفق أولويات يميلها الطقس والمواسم على ربات البيوت اللواتي يسرعن أولاً لإعداد رب البندورة بعدما تكون الحبة الجبلية قد أينعت وأشحمت عند اكتسابها اللون
http://almustaqbal.com/issues/images/2061/C8-N4.jpgالزهري الموشّى بالأحمر الشهي، فيحين القطاف. ولا يقتصر إتمام العمل على النسوة وحدهن، بل يشمل أفراد العائلة ذكوراً وإناثاً، يتوزعون المهام في ما بينهم. فهذا يغسل وذاك يقطّع وآخر يعصر ويصفّي، فيما الدست فوق جمر الموقد بانتظار أول نزل يتلقفه لينشر من بخار البندورة رائحة شهية تطيّب الجو بعد أن يكون المحراك الخشبي فعل فعله من أيدي الطبّاخين الذين قلما ينجو أحدهم من "لطعة" من جرّاء الغلي، تنتقل ذكرياتها من موسم الى آخر. وبعد الغلي حين يشتد الرُّب يوضع في أوعية ويُغطى بالشاش الرقيق، ويعرّض لأشعة الشمس، ويحفظ بالأواني لزوم الطبخ. ويعتمد أبناء الجبل بذلك على البندورة الجبلية الخالية من أي مواد كيميائية وهرمونية كتلك التي ازدهرت خلال السنوات الأخيرة، لتكبير الثمر، أو لإعطاء الحبة ألواناً، أو لزيادة الانتاج، وكلها في رأي أهالي المنطقة تؤثر في طبيعة الإنتاج وجودته وتفسد المؤونة الطبيعية.
ومثلما يبدو الثمر خارقاً بوضوح، كذلك الأسعار، ففيما يباع كيلوغرام البندورة من المخيم الدفيئات بنحو 300 ليرة يباع كيلوغرام البندورة البلدية بنحو 750 ليرة، وأحياناً بأكثر. ولكي تحصل العائلة المتوسطة على مقادير الرب المطلوبة لفصل الشتاء، تحتاج الى نحو 50 كيلوغرام بندورة.
وهناك من يتموّن بنحو رطلين أو ثلاثة. ويباع كل رطل جاهز بنحو 25 ألف ليرة، ويوضع في علب وأوان حافظة وضاغطة في آن. أما البندورة الخضراء فتبقى للكبيس، وتضعها ربّات البيوت في زجاجات للطبخ والتبّولة، والبعض يرغبنها أيضاً مقددة للعجة.
ومثلما تنتشر زراعة البندرة في قرى الشوف الأعلى، كذلك رائحة "بخور البندورة" يعبق هذه الأيام في كل أرجاء قرى المنطقة، ويتحلق الأصدقاء والأهل حول الدست للخلاص من أحد هموم المونة الثقيلة.

http://almustaqbal.com/issues/images/2061/C8-N5.jpg
عكار
ومن عكار، كتب عامر الشعار، ذكّرت زخّات المطر التي استمرت ساعات عدة في معظم مناطق عكار، باقتراب فصل الشتاء وأنذرت ربّات البيوت بضرورة الإسراع في تحضير ما اصطُلح على تسميته بالمونة الشتوية وحواضر البيت الدائمة، وتشمل البرغل والكشك ودبس الرمان والزيت وكبيس الزيتون وكبيس الخيار والمقتة واللفت والقريش.
ولوحظت عودة عدد كبير من ربّات البيوت الى شراء دبس الخرنوب في تحول يعني عودة الاهتمام بهذا الغذاء والاعتراف بفوائده، وهناك تزايد في مساحة الأرض المزروعة خرنوباً ضمن التحول نحو الزراعة البديلة في بعض مناطق عكار، وعلى الرغم من توافر مختلف انواع المونة البلدية في المحال التجارية، فان هناك عدداً لا بأس به من الأسر العكارية لا تزال تفكر بتحضير المونة المنزلية في البيت، وترى ان ذلك يضمن نظافتها من جهة، واستمرار التقاليد الشعبية الموروثة من جهة أخرى، حتى ان البعض ما زال يفضل عصر زيتونه في المعاصر القديمة بدلا من الحديثة.
وانتشرت على اسطح المنازل قطع قماش بيضاء كبيرة نثر عليها الحمص والبرغل لتجفيفها تحت اشعة الشمس، او عصارة العنب التي تتحول الى ملبن.


النبطية
ومن النبطية، كتب بسام فقيه، ما ان يطل شهر تشرين (اكتوبر) حتى تتفرغ السيدات الجنوبيات لتحضير مؤونة العام المقبل، من انواع الحبوب المختلفة، اضافة الى بعض المأكولات والمربيات، كانت تعتمد طرقا تقليدية في تحضير اضاف المؤونة ما زالت رائجة حتى اليوم،
http://almustaqbal.com/issues/images/2061/C8-N6.jpgولو أنها باتت في طريق الزوال، وكان يراعي فيها شروط صحية تضمن امكان تناول هذه الاطعمة واستخدام انواع الحبوب في تحضير الوجبات طوال ايام السنة من دون ان تتعرض للتلف بعد ان تخزن في اوان وأوعية صممت خصيصاً لحفظ المؤونة لا سيما الحبوب منها.
يستعيد الحاج حسن شريف مرتضى، من بلدة زوطر الشرقية، ذكرياته ويقول انه قبل اواسط القرن العشرين، كان انتشار الكهرباء محدوداً وقصراً على مواقع معينة في المدن، ولم يكن في متناول الجميع تجهيزات عصرية قلبت حياة الناس رأساً على عقب. وفي الريف اعتمدت الكوارة فخرنا معتدل الحرارة لحفظ المؤونة من القمح والطحين والحبوب على أنواعه، غير انها أحيلت على التقاعد مع كثير من الأشياء القديمة، مع تقدم العصر وانتشارالبرادات ووساذل حفظ المأكولات والمونة.
اضاف مرتضى والكواره عبارة عن خزنة تركن داخل جدران الطين ولها فتحات من الأعلى، واسعة بعض الشيء، تفرغ من خلالها انواع الحبوب. وفي اسفلها فوهات على شكل الدرج تسهل الحصول على المخزون من الحبوب عند الحاجة.
وكان يعتمد ايضا في حفظ المؤونة اكياس الخبش او (المدوار) المصنوع من القصب، وهو على شكل برميل تحفظ داخله ايضا الحبوب، انما لا يستوعب الا كمية محدودة ونوعية معينة بعكس "الكوارة" التي كانت تستوعب كميات أكبر واصنافا متعددة من الحبوب.

 

Back to Events & News 2005 Page